الأمير الحسين بن بدر الدين

249

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

« من لم يرض بقضائي ، ويصبر على بلائي ، ويشكر على نعمائي ، فليتّخذ ربّا سواي » « 1 » . وهذا يوضّح ما ذكرناه . فهلمّ الدلالة على أنه لا يجب عليه ذلك ؛ بل قد ثبت كون الجزية عقوبة على من فرضت عليه من كفرة العجم ، وهي مع ذلك واجبة عليهم ، ولا خلاف بين المسلمين في وجوب الرضى بالواجب ؛ فسقط بذلك قولهم : إنه لا يجب الرضى بالعقوبة ؛ فإن قيل : ما وجه وجوبها من جهة العقل ؟ قلنا : كونها دفعا للضرر . وبيان ذلك أن الكافر مدفوع إلى ضررين : أحدهما القتل . والثاني الجزية ، فيجب عليه دفع أعظم الضررين بأخفّهما . فإن قيل : إذا كان أداؤها واجبا على الذمي كانت عبادة فلا يصح أداؤها منه - قلنا : إن الواجب قد يجب - وإن لم يكن عبادة - كشكر النعمة « 2 » وقضاء الدين ورد الوديعة ، فإن جميع ذلك واجب - وإن لم يكن عبادة . ولا خلاف أنّ الجزية يجزى أخذها مع الكفر ، فسقط القول بكونها عبادة . واحتجوا بأنه لو كان عقابا لوجب أن يقترن بهذه المضرة الاستخفاف والإهانة ؛ وذلك لا يصح إلا مع الإعلام للمعاقب بذلك ؛ فلمّا لم يعلمه الله تعالى بأنّ ما أنزله به عقاب قطعنا أنه ليس بعقاب . والجواب - أن ذلك لا يصح ؛ لأنّ لقائل أن يقول : ما الذي يدل على أنه لا يجوز انفصال الاستخفاف والإهانة عن المضرة فهما جزاءان مختلفان ، وقد أجزتم ما هو أعظم من ذلك وهو الثواب ؛ فإنه حق مستحقّ على الله تعالى وقد أجزتم انفصال التعظيم والإجلال عن المنفعة ، وقلتم : بأنه يجوز أن يكون تعظيم المؤمن في الدنيا وإجلاله من جملة الثواب - وإن تأخرت المنفعة . وقطع بعض علماء التفسير على أنّ نصر المؤمنين في يوم بدر كان ثوابا

--> ( 1 ) الطبراني في الأوسط 7 / 203 رقم 7273 . ( 2 ) في ( ب ) : المنعم .